السبت، 4 أغسطس، 2012

الاسلام الحنيف والاصلاح السياسي

الاسلام الحنيف والاصلاح السياسي ...

بقلم الباحث احمد الشجيري

من أهم القضايا المثارة على الساحة الآن قضية الإصلاح السياسي، هذه القضية التي يلح عليها الإعلام العربي ويتبناها الساسة الغربيون ويحاولون بشتى الوسائل تصديرها إلينا أو قل فرضها على العالم الإسلامي لحاجة في النفس قد يكون الغرض منها إثارة الشغب على الحكام للضغط عليهم. وقد يكون الغرض منها تمزيق الكيان الاجتماعي للدول الإسلامية وخلق كيانات
موالية لها داخل هذه الدول تحت شعار الإصلاح السياسي أو الحرية السياسية.

نحن بالنظر في التشريع الإسلامي نجد أنه وضع الضوابط السليمة للحرية السياسية ونظم العلاقة بين الحكام والمحكومين فكفل للفرد حرية التعبير عن رأيه وأتاح للشعب فرصة توجيه النقد للحكام وتقبل الحكام لهذا النقد ومناقشة الأمور بصدر رحب، حيث إن في إبداء الرأي من الشعب وتقبله من الحكام تتحقق الفوائد التالية:

* تدعيم الثقة المتبادلة بين الراعي والرعية (الحكام والمحكومين) وفي هذا تحقيق لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (الشورى: 38).

* تنبيه الحكام إلى مواطن الخلل وفي هذا صيانة للأمة من الزلل حيث ينهض الحاكم إلى اصلاح اي خلل يصيب الكيان الاجتماعي ويضر بمصالح الدولة وفي هذا محافظة على قوة الدولة وسلامتها، ولكي يتحقق ذلك كفل الإسلام للفرد حرية إبداء الرأي والمشاركة السياسية وذلك عن طريق ترسيخ المبادئ التالية:

1.. إقرار مبدأ الشورى: فقد جعل الإسلام أمر المسلمين شورى فيما بينهم حتى في اختيار الحاكم - كما تم في اختيار أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وغيرهما من الخلفاء الراشدين - وتفعيل هذا المبدأ يجعل أفراد الأمة شركاء في الحكم يتحملون نتيجة اختيارهم فيستمتعون بحسن اختيارهم إن هم أحسنوا ويذوقون مرارته وسوءته إن كان هناك سوء اختيار، وعليهم حينئذ أن يعالجوا جماعتهم بالتناصح والتشاور وتبادل الرأي والعمل لصالح الجماعة، فالنصيحة مكفولة لكل فئات الأمة كما هو واضح في قول رسول الله " صلى الله عليه وسلم" : «الدين النصيحة»، قيل لمن يا رسول الله قال: «لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم»(1).

2. إقرار مبدأ التسوية بين الخلق جميعا. فليس لأحد منهم الانفراد بالحكم والرأي لميزة اختصه الله بها أو قدسية انفرد بها، وبناء عليه فليس في الإسلام ذات بعيدة عن النقد حتى وإن كان الخليفة، بل الجميع أمام الشرع سواء الكل يصيب ويخطئ، ومادام الكل يصيب ويخطئ فالكل محتاج إلى النصيحة والمشورة، وفي هذا إشارة إلى تلاحم نسيج الأمة (الحكام والمحكومين) لتدارك الأخطاء وتصويب الآراء لأن «كل ابن آدم خطاء»(2) كما قال رسول الله " صلى الله عليه وسلم" ، ومن هنا لابد من المشاركة وتوجيه مسيرة الحكام لما فيه خير الأمة وذلك عن طريق عرض الآراء من الرعية وتقبلها من الراعي للأخذ بأحسنها وتصويب ما ابتعد عن الصواب.
3. تفعيل دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- فعن طريق هذا المبدأ أتاح الإسلام للناس أن يعلنوا عن آرائهم في أعمال الحكام من غير فتنة ولا تحريض على فساد اهتداء بقول الله عز وجل {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ } (آل عمران: 104).

وحتى تبلغ الأمة درجة الخيرية لابد من تفعيل دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يتحقق فيها قول الله عز وجل: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: 110)، ولا ينبغي أن تكون هناك أدنى غضاضة لدى الحكام إذا ما وجهت إليهم النصيحة والنقد، فقد كان بعض الناس يعترضون على بعض ما يقوم به رسول الله " صلى الله عليه وسلم" من أعمال، ومع ما انطوت عليه بعض النفوس من مرض النفاق كان رسول الله " صلى الله عليه وسلم" لا يلومهم على قولهم حتى لا يتخذه بعض الأمراء من بعده مسوغا لمنع الناس من إبداء آرائهم (3)، فقد كان " صلى الله عليه وسلم" يتقبل ذلك مع مرارته ويأخذهم بالرفق خشية أن يفتح الباب لمن يجيء بعده فيعمل على مصادرة الآراء وكبت الأفكار، ولقد سجل القرآن الكريم ذلك فأشار إلى ما كان يقوله المنافقون لرسول الله " صلى الله عليه وسلم" فقال تعالى {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} (التوبة: 58) ولقد كان الخلفاء الراشدون من بعده " صلى الله عليه وسلم" يفسحون المجال لإبداء الرأي وتبني ما فيه مصلحة الأمة بل ويدعون الناس إلى نقدهم وتوجيه مسيرتهم إن هم حادوا عن الصواب، فهذا أبوبكر الصديق "رضي الله عنه" يقول مخاطبا الرعية «أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم» ومازال التاريخ يردد قوله "رضي الله عنه" عندما تولى الخلافة حيث صعد المنبر وخاطب الناس قائلا «أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن استقمت فتابعوني وإن زغت فسددوني»، لقد وضع أبوبكر "رضي الله عنه" بهذه الكلمات مبدأ سياسيًّا ينظم العلاقة بكل وضوح بين الراعي والرعية، فإذا أحسن الراعي فعلى الرعية السمع والطاعة وإن زاغ وأخطأ فمن واجب الرعية أن يوجهوا له النقد وأن يقوموا اعوجاجه وأن يصححوا أخطاءه حرصًا على مصلحة الأمة.

وهكذا ندرك عظمة الإسلام في تشريعاته وسبقه الدنيا كلها في ضمان حرية إبداء الرأي والمشاركة السياسية لجميع الأفراد، وإذا كان الغرب يتشدق بالحرية السياسية ويحاول أن يتظاهر بسبقه وتقدمه في هذا المجال فعلينا أن نبين للناس جميعا أسبقية الإسلام في إقراره حرية إبداء الرأي والمشاركة السياسية وأن نوضح لدعاة الحرية السياسية أنهم لم يصلوا بعد إلى عظمة الإسلام في إتاحته الحرية السياسية لجميع أفراد الشعب، وإذا كانت الصحافة الغربية تحمل بعض النقد للحكام فإن الحكام المسلمين أنفسهم قبل أن تظهر الصحافة وقبل أن يعرف الغربيون النقد السياسي قد دعوا أفراد المجتمع إلى نقدهم وتقديم النصيحة لهم وفتح صدورهم لجميع الآراء والأخذ بما فيه خير البلاد والعباد ملتمسين في رسول الله " صلى الله عليه وسلم" القدوة والأسوة الحسنة فقد كان " صلى الله عليه وسلم" يشاور أصحابه في الأمور كلها إلا ما نزل به الوحي فلا مشورة فيه، وقد صدق الله عز وجل إذ يقول: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق