السبت، 4 أغسطس، 2012

ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي - دروس وعبر –


ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي - دروس وعبر –

الباحث احمد الشجيري

هناك العديد من الثورات العظيمة في التاريخ الاسلامي والحديث والمعاصر ، وكذلك حركات رسالية وغير رسالية انتهت لاسباب قد تكون بسيطة ، ومن ابرزها طيبة النفس الى درجة السذاجة ، ذلك لان هذه الثورات كانت تتصور بان سلاح الحق والعدل والاحسان هو السلاح القادر على تذليل جميع الصعوبات في الطريق ، وغاب عنها ان هناك صعوبات لا تذلل إلاّ عن طريق 
استخدام القوة والحزم .
ومن بين تلك الثورات هي ثورة المختار من ضمن تلك الثورات التي ذهبت ضحية النفس الساذجة، بيد ان هناك اسباباً اخرى هامة كانت وراء فشل المختار بن ابي عبيدة الثقفي ، وقبل ان نستعرض بعض هذه الاسباب لابد ان نذكّر بهذه الحقيقة : ان دراسة التاريـخ انما تـتم من اجل الحاضر وليس من اجل التاريـخ وحـده - الغاية الدرس والعبرة - ، وهنا لابد من تكرار كلمة ( لماذا ؟ ) إمام فشل الثورات والحركات يجب .
لان كان التعليل هو الذي يهمنا ومعرفة السبب هي التي تعطينا القدرة على عدم تكرار ذلك السبب الذي ادى الى انهيار تلك الثورات .
فلماذا فشلـت ثورة المختار اخيراً بعد حكم دام شهور ، وبعد ان امتد نفوذ المختار الى حدود ارمينية .
الخلافات الداخلية بين الرساليين
لا ريب ان الخلافات الداخلية قديماً وحديثاً هي السبب الاساسي لسقوط دول وحركات وكان الخلاف بين الرساليين في عهد المختار السبب الاساسي الذي ادى الى سقوط دولته ، ذلك لان جميع الرساليين كانوا يشتركون في هدف واحد ومحدد وهو اسقاط الدولة الاموية والاخذ بثأر الامام الحسين ( عليه السلام ) ، هذا الهدف هو الذي جمعهم وكما قلنا فيما سبق انهم بعد مأساة كربلاء اصبحوا اكثر الحركات جماهيرية في الشارع الاسلامي .
فمن الموالي الى العرب ، ومن النساء والاطفال الى الرجال والشباب ، ومن المتدينين الى المتحمسين جميعاً اشتركوا في التحزب للامام الحسين ( عليه السلام ) الشهيد والثأر له ولكن هذا المفهوم كان مفهوماً غامضا بالنسبة الى اكثرية الناس ، أي انهم كانوا من اصحاب الامام الحسين ( عليه السلام ) ويعتقدون ان مقتله كان سبباً كافيا للتمرد على حكم بني امية هذا المفهوم كان واضحاً عند الجميع . ولكن هناك مفاهيم عديدة كانت تحتاج الى توضيح ، ومن جملة تلك المفاهيم السؤال عن انه : اذا ما ثرنا على الحكم الدموي فمن الذي يتصدى للقيادة ؟ وكيف تكون اساليب الحكم ؟ بل كانوا يختلفون في .. من هو الامام الحسين ( عليه السلام ) ؟ وهل هو مجرد ابن بنت رسول الله ؟ هل هو مجرد شهيد في سبيل الحق ؟ أم هو امام معصوم واجب الطاعة ؟ وما هو شكل الحكم والنظام الاسلامي ؟
هذه القضايا كلها كانت غامضة عند الاغلبية الساحقة من المسلمين ، وربما غموض هذه الحقائق هو الذي سبب في ان يأتي رجل مثل عبد الله بن الزبير ومصعب بن الزبير ، اللذين كانا من اشنأ الناس واعداهم لآل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله ) ، فيحكمان رقاب المسلمين بأسم الامام الحسين ( عليه السلام ) ، ويسرقا ثورته المقدسة .
فعبد الله بن الزبير الذي صدّقه بعض المسلمين واتبعوه ، وصل الى الحكم عبـــر
مبادىء الامام الحسين وهو الذي قضى على حكم المختار .
" كان جملة من ادركه الاحصاء ممن قتله مصعب ( ابن الزبير ) مع المختار سبعـة آلاف رجل ، كل هؤلاء طالبون بدم الحسين ، وقتلة اعدائه ، فقتلهم مصعب ، وسماهم الخشبية ، وتتّبع مصعب الشيعة بالقتل بالكوفة وغيرها ، واتى بحرم المختار فدعاهن الى البراءة منه ؛ ففعلن الا حرمتين له احداهما بنت سمُرة بن جندب الفزاري ، والثانية ابنة النعمان بن بشير الانصاري ، وقالتا : كيف تنبرأ من رجل يقول ربي الله ؟ كان صائم نهاره قائم ليله ، قد بذل دمه لله ولرسوله في طلب قتلة ابن بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) واهله وشيعته ، فأمكنه اللـه منهم حتى شفى النفوس . فكتب مصعب الى اخيه عبد الله بخبرهما وما قالتاه ، فكتب إليه : إن هما رجعتا عما هما عليه وتبرأتا منه والا فاقتلهما ، فعرضهما مصعب على السيف ، فرجعت بنت سمرة ولعنته وتبرأت منه ، وقالت : لو دعـوتني الى الكفر مع السيف لكفـرت : أشهد ان المختار كافر ، وأبت ابنة النعمان بن بشير ، وقالت : شهادة ارزقها فأتركها ؟ كلا ّ إنها موتة ثم الجنة والقدوم على الرسول وأهل بيته ، والله لا يكون ، آتي مع ابن هند فأتبعه وأترك ابن ابي طالب ؟ أللهم أشهد أني متبعة لنبيك وابن بنته وأهل بيته وشيعته ، ثم قدمها فقتلت صبراً ، ففي ذلك يقول الشاعر :
إن مـن أعجـب الأعاجيب عندي قتـــل بيضــاء حـــرة عُطبـــوُل
قتلــوها ظلمـاً علــى غـيـر جــرم إن للــه درهــــا مـــن قتيـــــل
كُتـب القتــل والقـتــال عليــــنــا وعلـى الغانـات حـر الذيــول
ان غمـوض الرؤيـة عند ابناء الامة الذين نقموا على سلطة بني امية الجائرة بعد قتلها الامام الحسين (عليه السلام ) ، وعدم معرفتهم تحت أي راية يجب ان ينضووا في معارضتهم لبني امية ، هو الذي مكّن ابن الزبير من ان يوسع سيطرته على مناطق كثيرة بما فيها الكوفة ، حيث قضى على ثورة المختار الفتية ، تلك التجـربة الرساليـة التي كان يـراد لها ان تعيـد المبادئ التي استشهد الامام الحسين ( عليه السلام ) من اجلها وعلى رأس تلك المبادئ ارجاع الخلافة الى اصحابها الشرعيين ، بعد ان حوّلها بني امية الى ملك عضوض .
غموض الرؤية هذا لم يكن فقط عند عامة الناس ، وانما عند الكثير من الهاشميين ايضاً . لقد تنازع محمد بن الحنفية مع الامام السجاد ، وكذلك تنازع معه بعض اولاد الامام الحسن واولاد العباس ، وكان نزاعهم ليس على امور الدنيا كما نازعه عليها عمه عمر بن الامام علي ابن ابي طالب(ع) وانما على قيادة الحركة الرسالية ومع انهم جميعاً كانوا يعتقدون ان الامام السجاد هو اورعهم وافقههم واقدرهم على حمل لواء المواجهة ضد الامويين بأعتباره البقية الباقية من مجزرة كربلاء ، وانه ابن الامام الشهيد ، الا انهم لم يوافقوه على طريقته في علاج الانحراف في الامة ، حيث رأى الامام السجاد ( عليه السلام ) ان سيطرة بني امية على السلطة انما جاء نتيجة ضعف الروح الدينية عند المسلمين وسيطرة روح المصلحة عليهم فسعى من خلال سيرته وادعيته وتربيته للرساليين الى تركيز المبادئ الاسلامية في النفوس ، وهذا كان يتطلب وقتاً طويلا بينما كان البعض يريد ان يتم التغيير بشكل سريع دون اعارة أي اهمية لهذا العامل المهم في نجاح أي ثورة وضمان عدم انحرافها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق