السبت، 4 أغسطس، 2012

ثورة العشرين في العراق ودورالمرجعية الدينية فيها

ثورة العشرين في العراق ودورالمرجعية الدينية فيها 


بقلم الباحث احمد الشجيري 

مدينة النجف الأشرف كغيرها من المدن فيها تنوع الآراء وتعدد الأفكار وهي في طليعة الحركات التحررية بل في أوائلها، خاصة وان لعلماء الأعلام نفوذهم الديني والسياسي حيثما كانوا، فالمرجع الأعلى الميرزا محمد حسن الشيرازي قاد الحركة الوطنية في ايران من مقره في سامراء - العراق، وأفتى تلك الفتوى المشهورة بتحريم استعمال التنباك.وكذلك في بداية الحرب العالمية الأولى، رأى مجتهدو النجف الأشرف في هجوم الإنكليز على العراق تدخلاً سافراً على وطنهم، فأفتوا بالجهاد فانخرط الشعب على أثرهم بقيادة المجتهد العالم السيد محمد سعيد الحبوبي ومعه كتائب العلماء وطلاّب النجف وساروا مدججين بالسلاح إلى ساحات القتال في معركة ((الشعيبة)) وغيرها.وبعد الاحتلال الإنكليزي للعراق واعلان الانتداب، دعا المرجع الأعلى الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي - من مقرّه في كربلاء - الشعب العراقي لمقاومة الاحتلال والثورة على الانتداب، فهب الشعب حاملاً سلاحه، فكانت الثورة العراقية الكبرى التي أرغمت المحتلين الإنكليز على اعلان الحكم الوطني، وتوفي الشيخ الشيرازي فقاد الثورة خلفه الشيخ فتح الله النمازي المعروف بشيخ الشريعة.
دورعلماء الدين في اندلاع ثورة العشرين :
فيما تقدم تحدثنا عن الخلفية التاريخية للنجف الأشرف وكونها مدينة مقدسة، وعن نشأة الحوزة العلمية وفيها عوامل مهمة جداً في تكوين فكرة الثورة ضد الاحتلال البريطاني، فلما كان المسلمون الشيعة كلية القاطنين الساكنين في النجف منذ ميلاد المدينة، وكون احتضان فكرة الثورة من رجال النجف الأشرف وشخصياتها قاعدة وقيادة ... كانت بذور التشيع في فكرة التحرك الثوري مدعاة لتكون الانطلاقة شيعية وان انضمّ إليها شخصيات سياسية ودينية غير شيعية لما فيها من اصالة عقائدية، وصدقية في المسيرة.وفي ضمن التحرك المنظم يبادر اعلام النجف إلى تشكيل حزب سياسي اطلق عليه ((الحزب النجفي السري )) حيث اتخذ اعضاؤه المؤمنون من غرفة معزولة في مدرسة الملا كاظم الخراساني في محلة الحويش في النجف الأشرف مقراً لهم.وقد ضمَّ هذا الحزب الكثير من علماء الدين الكبار والشخصيات الاجتماعية المعروفة وزعماء العشائر، توزعوا على ست مجاميع حسب طبيعة العمل منهم: الشيخ عبد الكريم الجزائري، الشيخ محمد جواد الجزائري، الشيخ محمد باقر الشبيبي، الشيخ محمد رضا الشبيبي، السيد محمد سعيد كمال الدين، الشيخ حسين الحلي، الشيخ عبد الحسين مطر، السيد أحمد الصافي، الشيخ محمد علي القسام، الحاج محسن شلاش، السيد هادي زوين، السيد علوان الخرسان، محمد أبو شبع، السيد علوان الياسري، السيد كاظم العوادي، الحاج عبد الواحد سكر، الشيخ غثيث الحرجان، الشيخ شعلان أبو الجون.وقد حظي هذا الحزب الذي يضم العلماء في النجف الأشرف ورؤساء العشائر والشخصيات الاجتماعية في النجف ومنطقة الفرات الأوسط بتأييد مراجع الدين حتى ان التنسيق كان قوياً حول ظروف الساحة وأساليب التحرك، ولاسيما مع الإمام محمد تقي الشيرازي الذي انتقل من سامراء إلى كربلاء في نهاية 1918م، آخذاً بنظر الاعتبار ضرورة الاقامة بالقرب من الفرات الأوسط. فقد وجد الإمام الشيرازي في هذا الحزب ذراعاً فاعلة تستطيع أن تدفع الامة بالاتجاه الذي تهدف له.وبنفس الوقت تشكلت أحزاب مختلفة في بغداد تضم جهتي الشيعة والسنة ومن أبرز الأعضاء المؤسسين: الشيخ محمد باقر الشبيبي، علي البازركَان، جلال بابان، محمود رامز، محيي الدين السهروردي، شاكر محمود، السيد محمد الصدر، جعفر أبو التمن، يوسف السويدي، دكتور سامي شوكت ... وغيرهم.وكان هدف هذه الأحزاب استقلال العراق استقلالاً كاملاً، وفي نفس الوقت الذي نرى فيه تركيبة تلك الأحزاب والجمعيات من شخصيات مختلفة ومتنوعة، إلاَّ أن الدور الديني في عملها السياسي واحد، حيث كانت توزع بياناً اصدر الإمام الميرزا محمد تقي الشيرازي (قدس سره) يذكر فيه اقامة دولة اسلامية في أرجاء العراق وعلى نطاق واسع.تأسست في عام 1919م جمعية الشبيبة الجعفرية ومعظم أعضائها من طلاب المدرسة الجعفرية واتخذت دار عبد الغني كبة مقراً لها وضمت شباباً من ضمنهم: سامي خونده، باقر سركشك، محمد حسن كبة، صادق البصام، محمد الشجاع، صادق حبة، عبد الرزاق الأزري، رؤوف البحراني، عبد العزيز القطان، صادق الشهربانلي، جعفر حمندي، كاظم الشجاع، محمد مرزة، ذبيان الغبان، سليم الحريري.وانضمت هذه الجمعية أخيراً إلى جمعية حرس الاستقلال (جناح الشباب) للتحرك بين الطلبة والشباب، وعند اندماج الجمعيتين تم تعيين الشيخ محمد باقر الشبيبي عضو ارتباط بين النجف وبغداد (لأهمية ومكانة النجف كما تحدثنا)، كما انيطت بالشيخ الشبيبي مهام اخرى في كربلاء والحلة والشامية للتمكن من كسب تأييد وجهاء هذه المناطق العشائرية.وقد استطاع الشيخ الشبيبي ان يوجد انسجاماً كبيراً بين جمعية حرس الاستقلال وبين التحرك السياسي في مناطق الفرات الأوسط، والذي كان يحركه الحزب النجفي السري. وما يجدر ذكره ان الشيخ الشبيبي رغم كونه من الاعضاء القياديين في حرس الاستقلال، فانه أيضاً كان عضواً في الحزب النجفي السري.وبتشكل الحزب النجفي السري عام 1918م، تشكلت في كربلاء الجمعية الإسلامية في كربلاء، وفي الكاظمية الجمعية الإسلامية في الكاظمية. وقد انصب نشاط تلك الأحزاب على تهيئة الظروف اللازمة للثورة المسلحة ضد الإنكَليز حيث كانت هذه التجمعات وبقيادة المرجعية الدينية في مدنها تعبئ الجماهير المجاهدة باتجاه الثورة. وبفضل انتماء الكثير من رؤساء العشائر في صفوف تلك الجمعيات، كانت النتائج الفاعلة في ثورة العشرين.ان هذا الاتجاه الديني في تحريك الجماهير سياسياً تحت مظلة العمل الإسلامية والهدف الثوري انطلق من مدن المراقد المقدسة، من النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية. وما الجمعيات واعضاؤها وهيكليتها الشيعية إلاَّ لتفجير ثورة العشرين في العراق.وكان لدور العلماء - كما أشرنا - في تعبئة الجماهير للثورة أثره الكبير في الاستجابة لهم فالشيخ مهدي الخالصي والسيد هبة الدين الشهرستاني كانا حلقة الوصل بين القيادة وبين علماء الدين في الكاظمية وجماهيرها، كما ان السيّد أبو القاسم الكاشاني كان حلقة الوصل بين القيادة وإيران، والميرزا أحمد الخراساني كان الحلقة بين اليادة وجماهير وعشائر النجف الأشرف، والأخيران كانا حلقة الوصل مع عشائر الفرات الأوسط.ان منهج الإمام الشيرازي في القيادة كان يعتمد على الشورى، ومن هنا فقد شكّل في البداية مجلس شورى للعلماء، كما شكّل فيما بعد وعلى أثر فتواه بجواز حمل السلاح ضد الإنكَليز مجلساً لأدارة الحرب ضد القوات الإنكَليزية، يتشكل من رؤساء العشائر الثائرة، ومن الوجهاء وكبار زعماء الثورة، وعلى رأسهم الحاج عبد الواحد الحاج سكر.كما كان منهج الإمام الشيرازي في الثورة قد تميز بما تميزت به الحركة الثورية الإسلامية في ذلك الوقت من المبادئ الثلاثة:
1.النفي المطلق للإستعمار ورفض المهادنة معه. 2.الوحدة الاسلامية.
3.الاعتماد على الفكر الإسلامي في الحركة.كما كان الإمام الشيرازي منذ توليه الزعامة الدينية والسياسية، سعى عبر توجيهاته ووكلائه، ورسله، إلى تهيئة الأرضية الشعبية لتفجير الثورة بوجه الإنكليز، وقد أصدر عدة فتاوى حدد فيها واجب الشعب في قضية الاستفتاء وفي حرمة التعاون مع السلطات المحتلة. ولم يكن الإمام الشيرازي تنقصه الشجاعة في اصدار فتوى يلزم فيها الشعب بوجوب حمل السلاح، إنما كانت حكمته تقتضي أن يجعل الفتوى كيف مسلّط على رأس الإنكَليز دون استخدامه. إلاَّ في الحالات التي تفقد فيها جميع الآمال والحلول.وفي فترة المفاوضات بين ممثلي الإنكَليز والزعامة الدينية والشعب، وفشل تلك المفاوضات أصدر الإمام الشيرازي فتواه المشهورة وهذا نصها: (( مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين ويحق عليهم في ضمن مطالباتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكَليز عن قبول مطالبهم )).وانتشرت الفتوى على نطاق واسع في كل مكان مع مبعوثين خصوصيين من علماء الدين لتحريض الجماهير على حمل السلاح ومقاومة القوات الإنكَليزية بالقوة، وكان بعض العلماء والخطباء والشخصيات الدينية من أقدر الناس على تعبئة الجماهير من أمثال أبو القاسم الكاشاني والسيد صالح الحلي، والسيد محمد الصدر.وأخذت المدن الجنوبية المحيطة بالنجف وكربلاء والكاظمية، تتحرك اثر الفتوى واتساع انتشار العلماء والشخصيات الأخرى في جبهات المعركة، وتحرك الاستعمار الإنكليزي بعناده ومؤامراته لتطويق التحركات، فكان الثوار يقودهم العلماء ورؤساء العشائر يبذلون الغالي والرخيص لفك حصار الاستعمار عن المدن. وانتكست مدينة الحلة، فبلغ ذلك الإمام الشيرازي، فأمر السيد هبة الدين الشهرستاني كاتبه ومستشاره باستفسار الخبر من السيد علوان الياسري ... فكتب يقول: (( أما حالتنا الحاضرة فكما يحب الله وتحبون، وان مصادقة الجيش العربي مع القوة المعادية في الحلة ليست أخبارها كما بلغتكم ... وهاك حقيقتها، مولاي وردتنا مكاتيب من بعض العشائر تريد الهجوم على الحلة، وطبق خطتهم أن يكون هجومهم مما يليهم ويكون هجومنا مما يلينا حتى يكون الهجوم عمومياً، والظفر من الله، وبعد هذا الترتيب حشدنا جيوشنا للهجوم ولكن ويا للأسف ان الوضعية بين العشائر تغيّرت دون اشعارنا )).من الأمور المعروفة ان الزعامة الدينية الشيعية في العراق والتي لعبت دوراً خطيراً في تفجير وأجيج ثورة 1920م الوطنية، كانت تنطلق في تفكيرها السياسي من منكلق ديني اسلامي عام لا يختص بطائفة ذهبية معينة، شيعية أو سنية، ولا بفئة اثنية دون أخرى، عربية أو كردية أو تركية أو غيرها.ومن علماء الشيعة الذين شاركوا في المعارك ضد الاحتلال:
1.آية الله السيد أبو القاسم الكاشاني.
2.آية الله الشيخ جواد الجواهري.
3.آية الله السيد محمد سعيد الحبوبي.
4.آية الله السيد محسن الحكيم.
5.آية الله السيد علي الداماد.6- آية الله السيد مصطفى الكاشاني.
7.آية الله السيد محمد علي بحر العلوم.
8.السيد محمد نجل آية الله السيد اليزدي.
9.آية الله الشيخ اسحاق الرشتي.
10.ميرزا مهدي الآخوند.جلّ اولئك العلماء من النجف الأشرف أو ممن يقيم في النجف وقد حملوا راية الجهاد ونزلوا إلى ساحة القتال حتى اللحظات الأخيرة.ولقد شارك مع العلماء غالبية قطاعات الشعب من المثقفين والعشائر، والتجار، وكان لهم دور كبير في تحريك وتأجيج الثورة في النجف. وكان أغلبية المثقفين من المجاهدين يلتقون في مكتبة الأستاذ الفاضل عبد الحميد زاهد وهو صاحب المكتبة الوطنية في بغداد، وهذه المكتبة أخذت من احدى ايوانات الصحن الحيدري مكاناً لها، وكانت بعض الصحف اليومية والمجلات العربية تصل إلى هذه المكتبة، شجّع هؤلاء المثقفين بملازمة هذه المكتبة، وبمرور الأيام أصبحت هذه المكتبة كندوة تضم الطبقة الأدبية والمثقفة.وبرزت طبقة مفكرة مجاهدة تبنت فكرة مكافحة الاستعمار والثورة عليه منذ عام 1918م، حتى انبثاقها يوم 2 تموز 1920م، وفي مقدمة هذه الطبقة: الشيخ عبد الكريم الجزائري، الشيخ محمد رضا الشبيبي، السيد محمد سعيد كمال الدين، السيد محمد رضا الصافي، الشيخ باقر الشبيبي، السيد حسن كمال الدين، الشيخ علي الشرقي، الشيخ محمد جواد الجزائري، السيد سعد صالح، السيد أحمد الصافي، السيد محمد علي كمال الدين، وغيرهم.كما كانت هناك طبقة أخرى هم: الحاج محسن شلاش، الشيخ محمد حسن الجواهري، عبد الأمير الشكري، محسن عجينة، يوسف عجينة، السيد علي الحلي، الشيخ عبد الغني الجواهري، الشيخ عبد الحسين مطر.والطبقة الرابعة هم: عبد الحميد الزاهد، الشيخ باقر الجواهري، الحاج عبد النبي الشكري، الحاج حمود معله، عبد الحميد مرزة، الحاج علي كبة، امين شمسة، السيد علوان الخرسان، الحاج سعيد مرزة، الحاج رؤوف شلاش، السيد جواد زيني.الطبقة الخامسة هم: السيد يحيى الحبوبي، السيد رضا الخرسان، مكي الشكري، عبود مرزة، عبد الرزاق الحاج مسعود، السيد حسين الرفيعي، الشيخ محمد علي قسام، الشيخ حسين الصحاف، الشيخ محمد الشبيبي، الشيخ عبد علي الطرفي، عبد الحسين الحلي، الشيخ محمد الوائلي، الشيخ حسين الشيخ مهدي، الشيخ محمد حسن محبوبة، السيد محمد زوين، الشيخ جعفر قسام، عبد الرسول شريف، السيد علي هادي الحبوبي.والطبقة السادسة هم: الشيخ سعيد الخليلي، الملا علي الدلال وابنه سلمان الملا علي، علي بن قاسم افندي، السيد صالح البغدادي، الشيخ حسين الحلي، محمد علي الصراف، رؤوف الجواهري، الشيخ محمد علي الخليلي، نعمة الشيخ كاظم.وهناك طبقة اشتغل بعض أفرادها مع الطبقة الأولى المتجددة وكان لهم الأثر الفعّال في تشجيع الحزب العامل، لأنهم من الطبقة المسلحة. ونذكر منهم: السيد هادي زوين، السيد كريم السيد سلمان، السيد كاظم السيد سلمان، عبد الرزاق عدوه، محمد أبو شبع، رسول تويج، تومان عدوه، حمود الحار، الحاج محمد الحاج عبد الله الهندي، عبد الصاحب هويدي.كانت المنطقة تغلي بالثورات والحركات، والتطلعات الخارجية كانت سبباً مهماً في اثارة الداخل الذي كان يعاني من سطوة الاحتلال الإنكَليزي ما يرهقه ويذله.ان اعلان الحسين بن علي، شريف مكة المكرمة، الثورة على الترك في اليوم التاسع من شهر شعبان 1334هـ الموافق 10 حزيران 1916م دفع الإنكليز إلى دعم ثورته كثيراً.ان أخبار الثورة التي قام بها الأحرار في مصر في العام 1919م في وجه الطغيان الإنكَليزي، والأعمال الخارقة التي أتوا بها لمكافحة الاستعمار البريطاني، ألهبت الحماسة في نفوس العراقيين، يضاف إلى ذلك قيام الحكومة الفيصلية في الشام قبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى، وانخراط معظم الضباط العراقيين فيها، وتمتعهم بالمراكز المهمة في دواوينها، وسعي (حزب العهد العراقي) في دمشق ليكون للعراق حكومة عربية. وكانت في مقدمة الأسباب المباشرة للثورة وجود القوات البريطانية ذاتها، فما ان أعلنت برطانيا عن محاولتها لتثبيت أوضاعها وفرض الانتداب، بعد اعلان قرارت مؤتمر - سان ريمو - وانتهاء أعماله واقراره بوضع العراق تحت الانتداب البريطاني حتى اندلع لهيب الثورة العراقية.
انتفاضة النجف الاشرف:
جميع أبناء العراق استجابوا لنداء الثورة بالرغم من ان بؤرة الثورة الرئيسية وقيادتها كانت في المدن المقدسة والفرات الأوسط بشكل خاص ... وبينما كانت مدينة النجف تشكو من قلّة الطعام، قدم إلى النجف شيخ من قبيلة عنزة محمّلاً برسالة من قبل ((ليشمان)) - وهو ضابط انكَليزي اشتهر بقمعه لأنتفاضة النجف - إلى حميد خان المنصوب من قبل الإنكَليز لمساعدته على حمل كمية كبيرة من الحبوب على متن قافلة قوامها 120 جملاً مرسلة من قبل شيخ مشايخ عنزة (فهد بن هذال) حليف الإنكَليز الحميم، ولم يكن بوسع النجف أن توفر هذه الكمية من الحبوب لقبيلة وهابية هاجمت مدنهم وأهانت مقدساتهم وقتلت رجالهم في حملات نهب سابقة، ثم تجلس على بساط القصر تنتظر الجماعة أو العون على يد المحتلين الإنكَليز، لذلك ثارت الجماهير وخرجت في مظاهرة اتجهت نحو محط قافلة عنزة فنشبت معركة ونهب، وفوضى شاملة، فقدم النجف ضابط الارتباط السياسي المقيم في الشامية الكولونيل بلفور، ليسوي الأمور بالتي هي أحسن، ولكنه فشل في مهمته وخرج من النجف تحت حراسة مشددة، وامتدت ثورة أهالي النجف إلى حواليها حيث هاجم الأهالي مكاتب الحكومة في الكوفة وأبي صخير وانتصر الثوّار في الجولة الأولى.ان الضغط المادي والمعنوي وواقعة قافلة ابن هذال هيأت النفوس للثورة، كما اجتمع أعضاء جمعية النهضة الذين اجتمعوا في 19 آذار في النجف الأشرف وقرروا بالاجماع البدء بالثورة عن طريق اغتيال الضابط مارشال حيث سيؤدي ذلك إلى سلسلة ردود فعل من جانب الإنكَليز وضدهم، تؤدي في النهاية إلى قيام ثورة عامة في الفرات الأوسط.وبالفعل تمَّ اغتيال مارشال على يد عشرين شخصاً تنكروا في ثياب الشبانا (البوليس المحلي) ودخلوا مقر الإدارة المركزية البريطانية في خان عطية أبو كلل تحت شعار انهم يحملون رسالة مستعجلة إلى المارشال. عندهاقرّر مجلس الحلفاء الأعلى في 25 نيسان سنة 1920م فرض ((الانتداب البريطاني)) على العراق، وأخذ وزير الخارجية البريطاني اللورد وكرزن يفكر في كيفية ادارة العراق في الوقت الذي اخذت روح الاستقلالية تسري بين مواطنيه بسرعة فائقة رافضين كل هيمنة أجنبية، فكان تفكير الوزير - كما صرح في خطابه في مجلس اللوردات - حول حاكم يجمع عليه رضى العراقيين، في الوقت الذي كان لهب الثورة قد تفجر بشكل خطير، واندلعت ألسنتها تسير في جميع أنحاء العراق سريان النار في الهشيم حتى لم يبقَ للاستعمار موضع قدم في حين كانوا يتصورون أن لهم الأيادي المتعاونة فيها، الأمر الذي دفع بالبريطانيين إلى التعجيل في اختيار الحاكم العربي للعراق لوضع الحد لهذا اللهيب المستعر وتكونت فكرتهم باستدعاء الأمير فيصلاً الموجود في درعا، وبدأت المحاولات والمراسلات والاعتراضات حتى تحقق أن فيصل هو الوحيد بين زعماء العرب الذي يدرك المشكلات العملية في ادارة حكومة متمدنة، بموجب الطرق العربية، ولهذا أشارت الأصابع إلى تسلمه لحكم العراق.فقرّرت الحكومة البريطانية دعوة الأمير فيصل إلى انكَلترا فوراً، فجاء إلى لندن في 2 كانون الأول 1920م وقابل الملك جورج الخامس في اليوم الرابع من هذا الشهر لتقديم الشكر على الهدايا التي أهداها الملك جورج إلى والده الملك حسين .وفي يوم 21 تشرين الأول 1920م جمع السير برسي كوكس مجلسه الاستشاري المكون من ((السير بونام كارتر)) ناظر العدلية والكولونيل هاول ناظر المالية ومساعده الكولونيل سيلتر، والميجر بولارد ناظر الأشغال، والمستر فلبي ناظر الداخلية، والمس بل السكرتيرة الشرقية لفخامته، وعرض عليهم مشروعه قائلاً: انه يرى أن يسلك طريقاً خاصاً في تنفيذ السياسة المقررة في البلاغ الصادر في 17 حزيران فيحافظ على الروح الوثابة، ويشذ في طريقة البناء، وانه يرى أن يؤلف حكومة مؤقتة، تكون كالجسر بينه وبين الشعب العراقي وتأخذ على عاتقها تعبيد الطريق لأقامة الحكم المقرر، دون أن يمس جوهر السياسة المرسومة. وأضاف إلى ما تقدم، أنه قرر الاستعانة بالسيّد عبد الرحمن الكَيلاني ((نقيب اشراف بغداد)) ليوليه رئاسة هذه الحكومة، لما له من المنزلة الاجتماعية والمقام الروحي، وذلك بعد أن اعترضته صعوبات وعقبات جمة في ترشيح غيره.وبعد فراغه من المناقشات والتصورات مع اعضاء مجلسه (أي السير برسي كوكس) واجهته صعوبات من معظم الوجوه والأشراف لمخاوفهم المختلفة من هذا الطرح، كما ان علماء الكاظمية أصرّوا على تشكيل حكومة تنتخب من الشعب، وأخيراً تكونت الحكومة المؤقتة على النحو التالي:
1.السيد عبد الرحمن النقيب (نقيب بغداد) رئيساً لمجلس الوزراء.
2.طالب النقيب وزيراً للداخلية.
3.ساسون حزقيل وزيراً للمالية.
4.مصطفى الآلوسي وزيراً للعدلية.
5.جعفر العسكري وزيراً للدفاع.
6.السيد محمد مهدي بحر العلوم وزيراً للصحة والمعارف.
7- عبد اللطيف المنديل وزيراً للتجارة.
8.السيد محمد علي فاضل وزيراً للأوقاف.
9.عزّت باشا الكركوكي وزيراً للثقافة.ثم توصل السير برسي كوكس إلى تشكيل مجلس استشاري لمجلس الوزراء يتناول المخصصات الوزارية ولا عمل لهم رسمياً إلاَّ إذا دعوا للاشتراك في جلساته وهم:
1.الشيخ ضاري السعدون المنتفك
2.عبد الجبار الخياط بغداد
3.عبد الغني كبة بغداد
4.عبد المجيد الشاوي بغداد
5.فخر الدين جميل بغداد
6.عبد الرحمن الحيدري بغداد
7.محمد الصيمود الكوت
8.عجيل السرمد الكوت
9.أحمد الصانع البصرة
10.سالم الخيون المنتفك
11.الحاج نجم البدراوي العمارة
12. داود اليوسفاني الموصل ان الانتفاضات التي قام بها الشعب العراقي، والتي انطلقت من المدن المقدسة ابتداءاً من النجف الأشرف، دفعت بسريانها ضد الاستعمار البريطاني خلال 1920 و 1924 و 1926 و 1927 و 1928م والانتفاضة الجبارة التي حدثت خلال الأعوام 1935 - 1938م سجلت أحداثاً مجيدة في تاريخ النضال التحرري للشعب العراقي. الحدث العظيم الذي حدث في ميثاق النجف 23 آذار 1935م الموجه من الشعب العراقي لمرجع المسلمين الشيعة آنذاك الإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.واستمر العراق بعطائه حتى كانت اتفاقية بورتسموث 1948م حيث أحبطها الشعب بثورته ومزّق اتفاقيتها، وامتدت اعوام الجهاد حتى عام 1956م عندما قام العدوان الثلاثي البريطاني والفرنسي والاسرائيلي، على الشقيقة مصر، فكان الشعب العراقي يقف بالمرصاد لحكومة العراق فتظاهر مستنكراً، وسقط الضحايا في رصاص نوري السعيد.ويقول السيد عدنان ابراهيم السراج: قاوم العراقيون الاحتلال الإنكَليزي مع القوات العثمانية وكانت القوات المساعدة للعثمانيين من العشائر بقيادة علماء النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية ... ويتابع قوله: (( في احداث 1956م المتمثل بالعدوان الثلاثي على مصر، كان للنجف موقف مشرّف شجب هذا الاعتداء، فخرجت تظاهرات في الشوارع والأسواق، واستمر الاضراب في النجف اسبوعاً كاملاً اتخذ العنف طابعاً له، فعمدت السلطة إلى القوة، واطلقت النار على بعض المتظاهرين في مرقد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، فقتل اثنان .ان النجف الأشرف شارك بجامعته العلمية وحوزته الدينية، وبكل ثقله وامكاناته الفكرية، المحن التي مرت بها شعوبنا العربية الإسلامية، وسجل في كل قضية مصيرية لهذه الأمة، طوال العقود المنصرمة موقفاً مشرفاً أملاه عليه الواجب الأخوي، والغيرة العربية، بداية من القضية الفلسطينية، ومروراً بالجزائرية، والتونسية، والمغربية، والسورية، والمصرية. هذا جزء يسير من دور المرجعية وأهميتها في ثورة العشرين وما تلاها من الحركات والانتفاضات ومن الجهاد الكبير للمراجع العظام والعلماء الأعلام في سبيل العزة والكرامة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق