الأحد، 5 أغسطس، 2012

الإمام الكاظم عليه السلام دروس وعبرة






الباحث احمد الشجيري
ولد الإمام موسى الكاظم عليه السلام بالأبواء - منزل بين مكة والمدينة - لسبع خلون من صفر سنة ثمان وعشرين ومائة (128هــ)، وقبض عليه السلام ببغداد في حبس السندي بن شاهك، في الخامس والعشرين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة (183هــ)، وله يومئذ خمس وخمسون سنة، وأمّه أمّ ولد يقال لها: حميدة البربرية، ويقال لها: حميدة المصفاة، وكانت مدّة إمامته عليه السلام خمساً وثلاثين سنة، وقام بالأمر وله عشرون سنة، وكانت في أيام إمامته بقية ملك المنصور أبي جعفر، ثم ملك ابنه المهدي عشر سنين وشهراً، ثم ملك ابنه الهادي موسى بن محمد، سنة وشهراً. ثم ملك هارون الرشيد ثلاث وعشرين سنة وشهرين وسبعة عشر يوماً، وبعد مضي خمس عشرة سنة من ملك الرشيد استشهد مسموماً في حبسه على يدي السندي بن شاهك، فدفن ببغداد بالجانب الغربي في المقبرة المعروفة بمقابر قريش من باب التين، فصارت باب الحوائج. وكان مقامه مع أبيه عشرين سنة، ويقال تسع عشرة سنة، وبعد أبيه أيام إمامته خمساً وثلاثين سنة.
كناه وألقابه
كنيته عليه السلام أبو الحسن الأول، وأبو الحسن الماضي، وأبو إبراهيم وأبو علي، ويعرف بالعبد الصالح، والنفس الزكية، وزين المجتهدين (لأنه كان أحفظ الناس بكتاب الله تعالى وأحسنهم صوتاً به، وكان إذا قرأ يحزن ويبكي ويبكي السامعون لتلاوته، وكان الناس بالمدينة يسمّونه زين المتهجّدين)، والوفي والصابر، والأمين، والزاهر، (وسمي بذلك لأنه زهر بأخلاقه الشريفة وكرمه المضيء التام)، وسمّي الكاظم لما كظمه من الغيظ.
حوارات :-
بين أبي حنيفة والإمام الكاظم عليه السلام
يروى أنّ أبا حنيفة دخل المدينة المنوّرة في أيّام الإمام الصادق عليه السلام ومعه عبدالله بن مسلم، فقال له: يا أبا حنيفة إن ههنا جعفر بن محمّد من علماء آل محمّد عليهم السلام فاذهب بنا إليه نقتبس منه علماً. فلمّا أتيا إذ هما بجماعة من شيعته ينتظرون خروجه أو دخولهم عليه، فبينا هم كذلك إذ خرج غلام حدث فسأل أبو حنيفة صاحبه عبدالله عن الغلام، فقال: هذا ابنه موسى فأراد أبو حنيفة أن يمتحنه فتقدّم إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وسأله فقال: يا غلام أين يضع الغريب حاجته في بلدتكم هذه؟ قال: يتوارى خلف الجدار، ويتوقّى أعين الجار، وشطوط الأنهار، ومسقط الثمار، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، فحينئذ يضع حيث شاء.
ثم قال: يا غلام ممن المعصية؟ قال: يا شيخ لا تخلو من ثلاث إما أن تكون من الله وليس من العبد شيء فليس للحكيم أن يأخذ عبده بما لم يفعله، وإما أن تكون من العبد ومن الله، والله أقوى الشريكين فليس للشريك الأكبر أن يأخذ الشريك الأصغر بذنبه، وإما أن تكون من العبد، وليس من الله شيء فإن شاء عفا. فدهش أبو حنيفة لسعة علم الإمام عليه السلام.
بين خدم الرشيد والإمام الكاظم عليه السلام
كان الرشيد يحاول التخلّص من الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وكان يطلب ذلك من خدمه، سرّاً، كي لا يثير بلبلة في البلاد، فكانوا يهمّون به فيتداخلهم من الهيبة والرهبة. فلمّا طال ذلك، أمر بتمثال من خشب وجعل له وجهاً مثل وجه موسى بن جعفر وكانوا إذا سكروا أمرهم أن يذبحوها بالسكاكين، وكانوا يفعلون ذلك أبداً، فلمّا كان في بعض الأيام جمعهم في الموضع، وهم سكارى، فلما بصروا به همّوا به على رسم الصورة. فلمّا علم منهم ما يريدون كلّمهم بالخزرية والتركية، فرموا من أيديهم السكاكين، ووثبوا إلى قدميه فقبّلوهما، وتضرّعوا إليه، وتبعوه إلى أن شيّعوه إلى المنزل الذي كان ينزل فيه. فسألهم الترجمان عن حالهم فقالوا: إنّ هذا الرجل يصير إلينا في كلّ عام، فيقضي أحكامنا، ويرضي بعضاً من بعض، ونستسقي به إذا قحط بلدنا، وإذا نزلت بنا نازلة فزعنا إليه، فعاهدهم أنه لا يأمرهم بذلك فرجعوا.
في البيت الحرام
حجّ هارون الرشيد وابتدأ بالطواف، ومنعت العامة من ذلك، لينفرد وحده، فبينما هو في ذلك إذ ابتدر أعرابيّ البيت، وجعل يطوف معه. فقال الحاجب: تنحّ يا هذا عن وجه الخليفة، فانتهرهم الأعرابيّ وقال: إن الله ساوى بين الناس في هذا الموضع فقال (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) سورة الحج: 25. فأمر الرشيد الحاجبَ بالكفّ عنه، فكلما طاف الرشيد طاف الأعرابي أمامه، فنهض إلى الحجر الاسود ليقبله فسبقه الأعرابيّ إليه والتثمه، ثم صار الرشيد إلى المقام ليصلي فيه فصلّى الأعرابيّ أمامه. فلما فرغ هارون من صلاته، استدعى الأعرابيّ فقال الحجّاب: أجب أمير المؤمنين فقال: ما لي إليه حاجة فأقوم إليه بل إن كانت الحاجة له فهو بالقيام إلي أولى. قال: صدق. فمشى إليه وسلّم عليه فرّد عليه السلام، فقال هارون: أأجلس يا أعرابيّ؟ فقال: ما الموضع لي فتستأذنني فيه بالجلوس، إنما هو بيت الله نصبه لعباده، فان أحببت أن تجلس فاجلس، وإن أحببت أن تنصرف فانصرف. فجلس هارون وقال: ويحك يا أعرابيّ مثلك من يزاحم الملوك؟ قال: نعم. وفي مستمع قال: فإني سائلك فان عجزت آذيتك قال: سؤالك هذا سؤال متعلّم أو سؤال متعنّت؟ قال: بل سؤال متعلّم. قال: اجلس مكان السائل من المسؤول وسل وأنت مسؤول.
فقال هارون: أخبرني ما فرضك؟ قال: إن الفرض رحمك الله واحد وخمسة وسبعة عشر، وأربع وثلاثون، وأربع وتسعون، ومائة وثلاثة وخمسون، على سبعة عشر، ومن اثني عشر واحد، ومن أربعين واحد، ومن مئتين خمس، ومن الدهر كله واحد، وواحد بواحد. قال: فضحك الرشيد وقال: ويحك أسألك عن فرضك، وأنت تعد عليّ الحساب! ؟ قال: أما علمت أنّ الدين كلّه حساب، ولو لم يكن الدين حساباً لما اتخذ الله للخلائق حساباً، ثم قرأ " (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) سورة الأنبياء: 47. قال: فبين لي ما قلت وإلاّ أمرت بقتلك بين الصفا والمروة. فقال الحاجب: تهبه لله ولهذا المقام قال: فضحك الأعرابيّ من قوله، فقال الرشيد: مما ضحكت يا أعرابيّ ؟ قال: تعجّباً منكما، إذ لا أدري من الأجهل منكما، الذي يستوهب أجلاً قد حضر، أو الذي استعجل أجلاً لم يحضر. فقال الرشيد: فسرّ ما قلت؟ قال: أمّا قولي الفرض واحد: فدين الإسلام كلّه واحد، وعليه خمس صلوات، وهي سبع عشر ركعة وأربع وثلاثون سجدة وأربع وتسعون تكبيرة، ومائة وثلاث وخمسون تسبيحة، وأما قولي من اثني عشر واحد: فصيام شهر رمضان من اثني عشر شهراً، وأما قولي: من الأربعين واحد فمن ملك أربعين دينار أوجب الله عليه ديناراً، وأما قولي: من مائتين خمسة فمن ملك مائتي درهم أوجب الله عليه خمسة دراهم. وأما قولي فمن الدهر كله واحد فحجّة الاسلام، وأما قولي واحد من واحد فمن أهرق دماً من غير حق وجب إهراق دمه قال الله تعالى: (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) سورة المائدة: 45. فقال الرشيد: لله درّك، وأعطاه بدرة فقال: فبم استوجبت منك هذه البدرة يا هارون بالكلام؟ أو بالمسألة؟ قال: بالكلام قال: فإني سائلك عن مسألة فان أتيت بها كانت البدرة لك تصدّق بها في هذا الموضع الشريف، وإن لم تجبني عنها أضفت إلى البدرة بدرة أخرى لأتصدق بها على فقراء الحي من قومي، فأمر بإيراد أخرى وقال: سل عما بدا لك. فقال: أخبرني عن الخنفساء تزق أم ترضع ولدها؟ فحرد هارون وقال: ويحك يا أعرابي مثلي من يسأل عن هذه المسألة؟! فقال: سمعت ممن سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من ولي أقواماً وهب له من العقل كعقولهم، وأنت إمام هذه الأمّة يجب أن لا تسأل عن شيء من أمر دينك، ومن الفرايض، إلا أجبت عنها، فهل عندك له الجواب؟ قال هارون: رحمك الله لا، فبيّن لي ما قلته، وخذ البدرتين فقال: إنّ الله تعالى لما خلق الأرض خلق دواب الأرض التي من غير فرث، ولا دم، خلقها من التراب، وجعل رزقها وعيشها منه، فإذا فارق الجنين أمّه لم تزقّه ولم ترضعه وكان عيشها من التراب. فقال هارون: والله ما ابتلى أحد بمثل هذه المسألة، وأخذ الأعرابي البدرتين وخرج، فتبعه بعض الناس، وسأله عن اسمه فإذا هو موسى بن جعفر بن محمّد عليهما السلام فأخبر هارون بذلك فقال: والله لقد كان ينبغي أن تكون هذه الورقة من تلك الشجرة.
الإمام وعلم الفلك
رُوي أنّ هارون الرشيد أنفذ إلى موسى بن جعفر عليه السلام فأحضره، فلمّا حضر عنده قال: إن الناس ينسبونكم يا بني فاطمة إلى علم النجوم، وإن معرفتكم بها معرفة جيّدة، وفقهاء العامة يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا ذكرني أصحابي فاسكتوا، وإذا ذكروا القدر فاسكتوا، وإذا ذكروا النجوم فاسكتوا. وأمير المؤمنين عليه السلام كان أعلم الخلائق بعلم النجوم وأولاده وذريّته الذين يقول الشيعة بإمامتهم كانوا عارفين بها. فقال له الكاظم صلوات الله عليه: هذا حديث ضعيف، وإسناده مطعون فيه والله تبارك وتعالى قد مدح النجوم، ولولا أن النجوم صحيحة ما مدحها الله عزّ وجلّ والأنبياء عليهم السلام كانوا عالمين بها، وقد قال الله تعالى في حق إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) سورة الأنعام: 75.
وقال في موضع آخر "فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ)سورة الصافات: 88، 89. فلو لم يكن عالماً بعلم النجوم ما نظر فيها، وما قال إني سقيم، وإدريس عليه السلام كان أعلم أهل زمانه بالنجوم، والله تعالى قد أقسم بمواقع النجوم (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) سورة الواقعة: 76. وقال في موضع "وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً" إلى قوله "فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً" سورة النازعات: 1 - 5. يعني بذلك اثني عشر برجاً، وسبعة سيارات، والذي يظهر باللّيل والنهار بأمر الله عزّ وجلّ، و بعد علم القرآن ما يكون أشرف من علم النجوم، وهو علم الأنبياء والأوصياء، وورثة الانبياء الذين قال الله عزّ وجلّ: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) سورة النحل: 16. ونحن نعرف هذا العلم وما نذكره. فقال له هارون: بالله عليك يا موسى هذا العلم لا تظهره عند الجهّال وعوام الناس، حتى لا يشنعوا عليك وانفس عن العوام به، وغط هذا العلم، وارجع إلى حرم جدّك.
* أقوال الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام
- إن لله حسنة آدخرها لثلاثة:لإمام عادل، ومؤمن حكم أخاه في ماله، ومن سعى لأخيه المؤمن في حاجته.
- إن الحرام لا ينمي، وإن نمى لا يبارك له فيه، وما أنفقه لم يوجر عليه، وما خلفه كان زاده إلى النار.
- ثلاث موبقات:نكث الصفقة، وترك السنّة، وفراق الجماعة.
- من قصد إليه رجل من إخوانه مستجيراً به في بعض أحواله فلم يجره - بعد أن يقدر عليه- فقد قطع ولاية الله عزّ وجلّ.
- لو أن الناس قصدوا في الطعم لاعتدلت أبدانهم.
- لو ظهرت الآجال افتضحت الآمال.
- إنّ المؤمن أعزّ من الجبل، الجبل يستفل بالمعاول، والمؤمن لا يستفل دينه بشيء.
- آنية الذهب والفضة متاع الذين لا يوقنون.
- مَن حسّن برّه بإخوانه وأهله، مدّ في عمره.
- لن تكونوا مؤمنين حتى تعدّوا البلاء نعمة والرخاء مصيبة، وذلك أنّ الصبر عند البلاء أعظم من الغفلة عند الرخاء.
- مثل المؤمن مثل كفتي الميزان، كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه، ليلقى الله عزّ وجلّ ولا خطيئة له.
- حرّمت الجنّة على ثلاثة: النّمام، ومدمن الخمر، والديّوث وهو الفاجر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق